“ملخص المقال

بتحبها ولا لأ ؟ إذا كانت الإجابة بـ"نعم" فلماذا؟ وأين أنت في القائمة؟وهل تأتي في أول المحبوبين.. أو بعد الأهل والأولاد؟

هل تحبها أم لا ؟!

إذا كانت الإجابة بـ"نعم" فلماذا؟ وأين أنت في القائمة؟
وهل تأتي في أول المحبوبين.. أو بعد الأهل والأولاد؟
هل سعادتك مقدمة على العمل والسيارة والجوال؟
هل تحب شكلك؟ أو ترى أنك سمين أو قصير أو طولك مبالغ فيه؟
هل تحب أن ترى وجهك في الصباح كل يوم وتبتسم؟ أو هو وجه باعث على الكآبة؟!
***
أسئلة إجاباتها دائمًا تعبر عما في النفس، من تقدير أو كره لذاتها، والتي على أساسها يكون نمط حياة الإنسان، ويزيد أو يقل التوتر الحاصل، وتسهل أو تصعب مغفرة الأخطاء للناس وللنفس.
***
دائمًا تكون الإجابات مفاجئة وأحيانًا صادمة ..
فهي تتنوع من (هو دي خلقة حد تتحب.. إلى طبعًا ما بيحبنيش أنا وحشة.. إلى همهمة وتنهيدة وآه بيحبني مع ابتسامة باهتة ترتسم على الشفاه.. إلى طبعًا بيحبني بس مش أكتر من فلان..).
وهذه الاختلافات لها أسباب متعلقة بمزاج الشخص وقناعاته وتربيته.

أعجب الإجابات التي قرأتها وأكثرها جمالاً هو إجابة الرجل الذي اهتزت لملكه عروش ملوك وسكت هو عندما عنفته زوجته ذات يوم حين سئل عن حبه للنبي وكيف هي مرتبته؟
أجاب أمير المؤمنين سيدنا عمر بن الخطاب، حين قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين".

فكان الرد مباشرًا وصادقًا وجميلاً: "يا رسول الله، لأنت أحب إليَّ من كل شيء إلا من نفسي".

ما أخذني في هذا الرد ليس ترتيب حب الرسول وتأخيره ولا تقديمه فيما بعد كما نعرف في تكملة الحديث، لكن أن يتجاوز حب رسول الله حب الأولاد والمال والأهل ولا يتجاوز حب سيدنا عمر لنفسه؛ هذا هو الشاهد، وهذه هي بداية التأمل التي ألهمتني الكتابة.

ببساطة شديدة يقول سيدنا عمر: أنا أحب نفسي أكثر من كل شيء، وأكثر من كل الناس، ثم يستثني رسول الله بينهم، ويقر ثانية أنه نفسه أكثر من كل شيء، إلا رسول الله وحتى في استثنائه للنبي؛ كان السبب حبه لنفسه، وأنه بدون رسول الله من عمر؟ وأين سيكون عمر؟
***
لماذا من المهم أن نحب أنفسنا أكثر من كل شيء؟
هل هذه أنانية؟ وماذا عن أهلنا وأولادنا وأزواجنا؟ وماذا عن الإيثار الذي هو أعلى مراتب الأخوَّة؟
هل من المفترض أن أحب نفسي قبلهم وأقدم نفسي عليهم؟
ما فائدة هذا الحب؟
***
لا بد هنا من التفريق بين من نحب ومن نقدّس؛ فلكل منا أشياء يقدمها في الحب على نفسه؛ مثل الله، وكتابه، ودينه.
فالحديث هنا عن الأشخاص الموجودين- البشر على قيد الحياة- وليس غيرهم.
الحب طاقة، وفاقدها لا يعطيها، والذي لا يحب نفسه غير قادر على حب غيره، أو التماس الحب من غيره؛ فتجده يفسر هذا الحب من الآخرين على أنه شفقة مثلاً، أو تحدثها نفسها بأنها ليست أهلاً لحب زوجها أو خاطبها، ولا بد من سبب لهذه العلاقة غير الحب؛ فلا تبادل حبا بحب، بل بشك وتوجس وقلق، وهو ما يقلل الحب ويزيد القلق والشك في دائرة مفرغة لا تنتهي إلا بقطع علاقة أو هجران.
الشخص الذي يحب نفسه ويقدرها يستطيع أن يغفر لها ما كان منها مهما كبر وعظم، وأظن أن الله يغفر لنا إن استغفرنا حبًّا منه لنا، فنحن من خلق بيده ونفخ فينا من روحه.
ونرى الأم تغفر لأبنائها مهما عظم الخطأ، ونسمع عن حبيب يغفر لحبيبه ما ظننا أن مغفرته مستحيلة.
أما من لا يحب نفسه فتجده واقفًا في محطات أخطائه، يندم على ما فعل، وما كان مضيعًا عمرًا وجهدًا لو بذلهما في تعويض ما خسر لكسب أضعاف أضعاف ما ضيع، ولكن هيهات أن يغفر لنفسه ما لم يحبها.

حب النفس والأنانية؟
أما عن ارتباط حب النفس بالأنانية فهو كمن يظن أن الثرى والثريا مترادفان؛ لعطفهما أو لتقارب حروفهما.
والفرق بينهما أن حب النفس يعني أن تتوقف عن العطاء إذا وجدته يأخذ من روحك ونفسك ويهلكها فتضيع الأولويات وتتشتت النفس، أما الأنانية فتعني ألا تعطي أصلاً.
ومرتكز الأنانية المصلحة المادية، أما الحب فهو بعد داخلي لا يتوقف على المادة والكسب، على عكس الأنانية.
وقالوا في سلامة الصدر، وهي من مراتب الأخوَّة: أن تحب لأخيك ما تحب لنفسك، وليس أن تحبه كما تحب نفسك، وكذلك أن تؤثر على نفسك؛ أي أن تعطيهم قبلك لا أن تحبهم أكثر من ذاتك، وفي هذا قيل: "لا إيثار في طاعة"، فلا يصح أن تؤثر أحدهم عليك في طاعة، فأنت أولاً في الحب وكل الناس بعدك.

حب النفس والعطاء
هذا حديث يطول، ولكن نقول اختصارًا إن العطاء في ذاته سعادة، سواء أكان لمن تحب أم لغيرهم.
فأنت في الأصل تعطي لتسعد من سعادتهم (أهلك وأصحابك وجيرانك) وفي هذا سعادة نفسك في الدنيا، وقد تعطي من لا تعرفهم أو من لا تحبهم لتسعد بالعطاء في الدنيا، ولتنال الجنة، وهذا لسعادتك في الآخرة أيضًا.
***
ختامًا أقول:
كل فكرة أو شخص أو شيء لا يزيد من حبك لنفسك ويرفع تقديرك لذاتك، وقبل هذا كله يزيد حبك لله ويزيد حب الله لك؛ فاتركه غير آسف عليه، فقد أضعت فيه عمرًا وجهدًا أنت أولى بهما.


د.أحمد فهمي - طبيب الأمراض النفسية والعصبية
***
مقالات أخرى للكاتب :
الوسواس القهري .. مرض أم طلب للكمال؟!
كل ما يجب أن تعرفه عن «الاكتئاب»: أسبابه وأعراضه وعلاجه وطرق الوقاية منه
 

كلمات مفتاحية