“ملخص المقال

** الوسواس القهري هو مرض يجعل المصاب به محاصرًا في متلازمة متكررة من الأفكار التي تسبب قلقًا أو توترًا

الوسواس القهرى وعلاجه

يا دكتور.. أنا بقعد ساعة أتوضأ قبل كل صلاة وبخلَّص وضوء وهدومي كلها مية ومجهدة جدًّا!.
يا بيه.. ابني لو حطيت كراسة العلوم قبل كتاب العلوم في الشنطة بيكون يومي أسود وما بيبطلش صراخ وما بيروحش المدرسة إلا لما الشنطة تبقى زي ما هو عاوز بالظبط!.
أنا كل ربع ساعة بروح أتأكد إن باب الشقة مقفول!.
أنا كل شوية بروح أشوف الغاز مقفول ولا نسيته مع أني متأكدة أني قافلاه!.
يا دكتور.. أنا بتجيلي أفكار شتيمة في ربنا (المريض مرعوب وحاسس إن ربنا غضبان عليا"!.
أنا بشوف صورة أختي بشكل مش محترم (شعور شديد بالخجل وكره النفس)!.
حضرتك.. أنا ما بعرفش أذاكر إلا لو المكتب مترتب بشكل معين، ولو دا مش موجود ما اعرفش أذاكر أبدًا!.
---------
كثير من الناس يشتكي من بعض الأعراض السابقة؛ فهل هناك فرق بينها؟ وهل هي أعراض مرضية أم مجرد أشكال من طلب الكمال أو ما يسمى (perfectionism)؟

* أولاً.. ما الوسواس القهري؟
** الوسواس القهري هو مرض يجعل المصاب به محاصرًا في متلازمة متكررة من الأفكار التي تسبب قلقًا أو توترًا، وقد تستلزم لإزالة التوتر شكلاً معينًا من الفعل القهري (الإلزامي) يفعله المصاب.
هذه المتلازمة لا تنتهي بعمل الفعل مرةً واحدةً، بل يتبعه الفكرة مرة أخرى ثم الفعل، والذي أحيانًا يقلل القلق، لكن لا يوقف الفكرة المسببة للقلق، ولذلك فهي دائرة تصاعدية مغلقة من: الفكرة.. القلق.. الفعل، ويكون الناتج النهائي ضياع ساعات وبذل جهد ضخم، وهو سبب استشارة الطبيب في الأغلب.
ومع إدراك المريض أن الأفكار والأفعال- في جزء كبير منها- غير منطقية إلا أنه لا يستطيع إيقافها بسهولة.
ومرض الوسواس القهري يصيب من 1: 3% من عموم الناس، في متوسط عمر 20 عامًا وحتى 25 عامًا، ولكنه أيضًا وارد الحدوث في الأطفال والبالغين فيما بعد هذا العمر.

* هل هو مرض أو هو نشدٌ للكمال (perfectionism)؟
** للحكم على عرض ما بأنه مرض وليس نوعًا من نشد الكمال أو مجرد اضطراب سلوكي ما نحتاج لأحد شيئين:
1. أن يكون العرض مسببًا للضيق أو التوتر لدى صاحبه
2. أن يؤثر سلبًا على حياته الاجتماعية أو العملية
أما إن كانت الأفكار منطقية وغير مسببة للضيق ولا تؤثر سلبًا على حياة الإنسان الاجتماعية والعملية فإنه قد يكون شخصية وسواسية لا تحتاج إلى علاج.
مثال:
شخص يكرر غسل يديه عدة مرات يوميًّا؛ لأنه يحب النظافة.
شخص يحافظ على مكتبه مرتبًا بشكل ما؛ لأنه محب للنظام، بشرط ألا يؤثر هذا على حياته اجتماعيًا أو عمليًا.

* ما أعراض المرض؟
** أعراض المرض إما أن تكون أفكارًا وسواسية مع أو بدون أفعال قهرية.

د.أحمد فهمى طبيب الأمراض النفسية والعصبية

د.أحمد فهمى طبيب الأمراض النفسية والعصبية

أمثلة للأفكار الوسواسية:            
1. الخوف من التلوث بالبكتريا
2. الخوف من إيذاء المقربين (يخاف من المريض أن يقتل أحد المقربين منه)
3. الخوف من الخطأ
4. الحاجة إلى الترتيب الشديد والمثالية
5. تكرار أفكار مسيئة لله أو للدين
6. تكرار صور مرفوضة لدى المريض (يرى صورة لأحد محارمه في وضع جنسي مثلاً).

أمثلة للأفعال القهرية:
1. تكرار غسل اليدين، الاستحمام، الوضوء
2. رفض فتح الباب باليد (رفض مسك مقبض الباب) ورفض المصافحة
3. إعادة التأكيد على إغلاق باب البيت أو إغلاق الغاز
4. تكرار تنظيف البيت أو ترتيب الأثاث ليصبح بشكله الثابت
5. الحفاظ على ترتيب ثابت في الأنشطة المختلفة وعدم القدرة على تغييرها

* ما أسباب الوسواس القهري؟ وكيفية الوقاية منه؟
** حتى الآن لا يوجد سبب واضح للوسواس، وإن كان الأساس في أسباب الأمراض النفسية هي الأسباب العضوية النفسية الاجتماعية البيئية، وبالتالي لا توجد طريقة معروفة للوقاية من المرض، ولكن النصائح العامة المتبعة للحياة الصحية بدنيًا ونفسيًا، بالإضافة إلى أهمية التشخيص والتدخل المبكر في حال حدوث أعراض.

* وما كيفية العلاج من الوسواس القهري؟
** في حال تم تشخيص الفرد بأنه مريض بالوسواس القهري فإن علاجه يعتبر من شقين في الأساس:
1. العلاج الدوائي ويتم اختياره بما يناسب حالة المريض
2. العلاج النفسي (علاج معرفي سلوكي) وفيه يتم تعريض المريض لما يثير قلقه ويبدأ تعديل السلوك تدريجيًا بما يزيد الكفاءة ويقلل التوتر والقلق، وهو ما يغير القناعات بالتدريج.
مثلاً: إذا كان المريض مصابًا بوسواس عن النظافة، وكلما اضطر إلى مصافحة أحد الأشخاص يسرع إلى غسل يديه، يكون تعليم المريض بمصافحة أحدهم بإرادته (غير مضطر) عندها ستلحُّ عليه فكرة غسل اليدين مسببة له قلقًا واضطرابًا ليكون الفعل التالي الذهاب إلى الحوض لغسل يديه، ثم يكون بتعليم المريض تدريجيًا كيف يتعامل مع الفكرة ولا ينفذ ما تمليه عليه أو يمليه عليه قلقه فيقوم المريض بالامتناع عن غسل يديه لمدة معينه تزيد مع الوقت.
وهذا جزء من تغيير السلوك الذي يؤدي إلى تغيير القناعات بالتدريج؛ حيث يدرك أنه لن يصاب بالمرض إن لم يغسل يديه وإن أصيب لأي سبب فإن المرض ليس مرعبًا ولا كارثيًا وأن قلقه يمكن التحكم فيه وسيقل مع مرور الوقت حتى وإن لم يغسل يديه.
3. العلاج الكهربائي أو الجراحي:
وهو يأتي في الحالات المستعصية على العلاج والمقاومة للتحسن.

وفي النهاية نود أن نؤكد أن:
* كل ما تحدثنا عنه هو مرض وليس نوعًا من سوء السلوك أو غضبًا من الله على المريض، فالمريض هو متضرر أضعاف تضرر المحيطين به؛ فواجب الجميع مساعدته ودعمه وتقديم النصح بطلب العلاج وليس لومه أو اتهامه بأنه (مزودها ومأَفوَر!).
* أعراض الوسواس في الأطفال تكون غير واضحة وغير مفسرة (الطفل لا يستطيع تقديم تفسير منطقي لما يريد) أو يظهر بأعراض اكتئابية نتيجة الأفكار التي تتوارد إلى ذهنه ويصبح الطفل عصبيًّا؛ مما يسبب عنفًا أو لومًا تجاه الأطفال من البعض؛ مما يؤدي إلى استمرار المشكلة، وبالتالي زيادة العبء على الطفل وصعوبة العلاج فيما بعد؛ فلا بد من استشارة متخصص في حال الأطفال إن ظهرت أي مشكلة.

د. أحمد فهمي – طبيب الأمراض النفسية والعصبية (مصر)